فورد تُقرّ بفشل الذكاء الاصطناعي في فحص جودة سياراتها وتُعيد تعيين أكثر من 300 مهندس متقاعد، لتحقق بعدها المركز الأول في دراسة JD Power للجودة لأول مرة منذ 2010.
طرنك أوتو – في اعتراف نادر من شركة بحجم فورد، أقرّ مسؤولون كبار في الشركة الأمريكية بأن رهانها على الذكاء الاصطناعي لاستبدال خبراء الجودة البشريين في مصانعها كان قراراً مكلفاً بكل المقاييس. والنتيجة التي أُعلن عنها الأسبوع الماضي كانت مفاجئة: فورد أعادت تعيين أكثر من 300 مهندس ومفتش جودة متقاعد خلال السنوات الثلاث الماضية، وكان هؤلاء قد غادروا الشركة في إطار موجة تسريح سابقة أُريد بها إفساح المجال للذكاء الاصطناعي، فإذا بفورد تعود إليهم بعد أن أثبتت التجربة أن ما يحمله هؤلاء من خبرة عقود لا يمكن ترميزه في خوارزمية.
ماذا حدث بالضبط في مصانع فورد؟
وسّعت فورد استخدام الذكاء الاصطناعي عبر منظومة واسعة تشمل نشر نحو 900 كاميرا مدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل مصانعها، مُصمَّمة للكشف عن عيوب التصنيع على خطوط الإنتاج ورصد مشكلات سلسلة التوريد بشكل آني. الفكرة كانت جذابة نظرياً: آلات لا تتعب ولا تُصاب بالإجهاد ولا تطالب بمزايا أو راتب، تفحص كل سيارة بدقة ثابتة على مدار الساعة. لكن الواقع كشف عن ثغرة جوهرية لم تأخذها الشركة في حسبانها بما يكفي: الذكاء الاصطناعي يتعلم مما تُعطيه إياه فقط، وحين غادر المهندسون المخضرمون الشركة قبل أن تتمكن من استخلاص خبرتهم المتراكمة وترجمتها إلى بيانات قابلة للتدريب، وجدت أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها تعمل على أرضية هشة.
أقرّ كومار غالهوترا، المدير التنفيذي لعمليات فورد، بأن الشركة كانت "تعتمد بشكل متزايد على أنظمة الجودة الآلية" بنتائج مخيبة للآمال. وكشف نائب رئيس هندسة أجهزة المركبات تشارلز بون في تصريح صريح لوكالة بلومبرغ أن الشركة ارتكبت خطأ في التقدير حين ظنت أن مجرد إدخال متطلبات التصميم في منظومة ذكاء اصطناعي سيُنتج سيارات عالية الجودة من تلقاء نفسه، قائلاً: "أخطأنا حين ظننا أن مجرد تقديم الذكاء الاصطناعي وإدخال متطلبات التصميم التي لدينا سيُنتج منتجاً عالي الجودة". وأضاف: "في السنوات الماضية، لم نُعِر الاهتمام الكافي لخبرة مهندسينا الأكثر معرفةً، الذين رافقونا عبر دورات إنتاج كثيرة".
والنتيجة؟ المركز الأول عالمياً للمرة الأولى منذ 16 عاماً
ما يجعل هذه القصة استثنائية ليس فقط الاعتراف بالخطأ، بل الدليل الملموس الذي جاء بعده. حققت فورد المركز الأول بين العلامات التجارية السائدة في دراسة JD Power للجودة الأولية لعام 2026، وهو الترتيب الذي لم تبلغه منذ عام 2010 أي منذ ستة عشر عاماً. ولم تقتصر النتائج على الترتيب العام، بل احتلت كل من F-150 وموستانج وسوبر ديوتي المرتبة الأولى في فئاتها للعام الثاني على التوالي، كما جاءت Escape وExplorer وExpedition وMaverick ضمن المراكز الثلاثة الأولى في فئاتها.
وعلى الصعيد المالي، أوضح الرئيس التنفيذي جيم فارلي أن هذا التحسن في الجودة ترجم نفسه مباشرةً إلى خفض في تكاليف الضمان والاستدعاء، واصفاً هذا التوفير بأنه يُسهم في تحقيق "مئات وأكثر من مئات الملايين من الدولارات" من الأموال التي كانت تذهب سابقاً في إصلاح الأعطال وتصحيح أخطاء الإنتاج.
درس أكبر من فورد وحدها
قصة فورد مع الذكاء الاصطناعي ليست قصة رفض للتكنولوجيا، بل قصة عن سوء تسلسل الأولويات. فالشركة لم تفشل لأنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، بل فشلت لأنها ظنت أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يستغني تماماً عن الخبرة البشرية المتراكمة بدلاً من أن يعمل إلى جانبها ويتغذى منها. وهو درس تتعلمه شركات كثيرة في قطاعات مختلفة بأثمان باهظة في هذه المرحلة من التحول نحو الأتمتة.
فورد نفسها لا تنوي التخلي عن الذكاء الاصطناعي، لكنها باتت تتعامل معه بفلسفة مختلفة: الإنسان المتخصص أولاً لبناء قاعدة المعرفة، ثم الذكاء الاصطناعي ليُضاعف أثر هذه المعرفة ويُوسّع نطاقها، لا ليحل محلها من البداية.