طرنك – خسائر تجاوزت 65 مليار دولار تهز صناعة السيارات الكهربائية، وسط تراجع الطلب وتغيّر السياسات الحكومية، مع عودة شركات كبرى لإحياء المحركات التقليدية والهجينة لتحقيق الربحية.
تعيش صناعة السيارات الكهربائية العالمية واحدة من أعنف الأزمات منذ انطلاق التحول الأخضر، بعد أن تبخّر أكثر من 65 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات السيارات خلال عام واحد فقط. الأزمة جاءت نتيجة تراجع الطلب وتبدّل السياسات الحكومية في الأسواق الكبرى، ما أجبر الشركات على إعادة النظر في استراتيجياتها الكهربائية التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب مستقبل الصناعة.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن موجة التراجع الحالية لا ترتبط بشركة بعينها، بل تمثل تصحيحًا واسع النطاق في توقعات المستثمرين حيال مستقبل السيارات الكهربائية، بعدما تبيّن أن النمو السريع في السنوات الماضية لم يكن مستدامًا بالوتيرة ذاتها.
صدمة ستيلانتس.. خسائر بالمليارات وعودة محركات البنزين
أعلنت مجموعة ستيلانتس (Stellantis) المالكة لعلامات شهيرة مثل جيب ودودج وألفا روميو عن شطب محاسبي ضخم بلغت قيمته 26 مليار دولار بعد مراجعة مشاريعها الكهربائية غير المربحة. القرار ترافق مع خطوة مفاجئة تمثلت في إحياء محركات البنزين V8 والديزل في بعض طرازاتها، استجابة لتغيرات الطلب في الأسواق الغربية.
وبعد الإعلان، فقد سهم الشركة نحو 6 مليارات دولار من قيمته السوقية، في واحدة من أكبر الانتكاسات التي تشهدها صناعة السيارات منذ بداية التحول نحو المركبات عديمة الانبعاثات.
تغيّر السياسة الأمريكية يقلب الموازين
الأزمة تفاقمت بفعل التحولات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة، حيث ألغت الإدارة الجديدة الحوافز الضريبية الممنوحة للسيارات الكهربائية وخفّفت القيود المفروضة على الانبعاثات الكربونية. هذا التوجّه أجبر العديد من المصنعين على إبطاء خططهم للتحوّل الكهربائي أو حتى العودة مؤقتًا إلى المحركات التقليدية والهجينة لتجنّب خسائر إضافية.
وتشير التقديرات إلى أن حصة السيارات الكهربائية من السوق الأمريكية قد تنخفض إلى 5% فقط خلال السنوات المقبلة، أي ما يعادل نصف نسبتها الحالية تقريبًا، وهو تراجع حاد يغيّر موازين السوق العالمية بأكملها.
اقرأ أيضاً: ترامب يلغي الدعم الحكومي لتقنيات الإيقاف والتشغيل ويحرر قيود انبعاثات السيارات بالكامل
واقعية اقتصادية بعد فورة الحماس
يرى خبراء الصناعة أن ما يحدث لا يمثل تراجعًا عن فكرة السيارات الكهربائية بقدر ما يعكس عودة للواقعية الاقتصادية.
فارتفاع تكاليف الإنتاج، وغلاء أسعار البطاريات، وضعف البنية التحتية للشحن في كثير من الدول، جعلت السيارات الكهربائية أقل جاذبية للمستهلك العادي، مقارنة بالمركبات العاملة بالوقود التقليدي التي ما زالت توفر مدى سير أطول ومرونة أكبر في الاستخدام.
وبينما لا تزال الشركات الكبرى مثل فولكس فاجن وتويوتا وجنرال موتورز ملتزمة بخطط التحوّل إلى الطاقة النظيفة على المدى الطويل، إلا أن المرحلة الحالية تُظهر بوضوح أن الانتقال الكامل نحو الحياد الكربوني سيكون أبطأ وأكثر تعقيدًا مما كان يُتوقع.
عودة الهجينة كخيار “واقعي”
في ظل هذه التطورات، تعود السيارات الهجينة (Hybrid) لتتقدّم كخيار واقعي يوازن بين الربحية والاستدامة، إذ تسمح بتقليل الانبعاثات من دون التضحية بالأداء أو رفع التكلفة.
ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً استراتيجيًا في الصناعة من “كهرباء كاملة” إلى “كهربة متدرجة”، تضمن استمرار الأرباح وتقلل من المخاطر المالية التي تواجه الشركات بعد هذه الموجة من الخسائر.
ما يحدث اليوم ليس تراجعًا عن مستقبل الكهرباء بقدر ما هو تصحيح لمسار التحول الصناعي. فالسوق تجاوز مرحلة “الانبهار بالتقنية” إلى مرحلة اختبار الجدوى الاقتصادية، وهذا في حد ذاته تطوّر صحي على المدى الطويل.
المرحلة القادمة ستكشف عن الشركات القادرة على تحقيق توازن حقيقي بين الكفاءة البيئية والاستدامة المالية، بينما سيجد الآخرون أنفسهم مضطرين للعودة خطوة إلى الوراء قبل التقدّم من جديد.