طرنك أوتو – في خطوة تكشف حجم الضغوط التي تواجه صناعة السيارات الألمانية، تستعد بي إم دبليو لتقليص نحو 8 آلاف وظيفة بحلول نهاية عام 2027، مع تقديم تعويضات استثنائية لبعض الموظفين الراغبين في المغادرة طواعية، وصلت في حالات فردية إلى نحو 730 ألف دولار. وجاءت هذه العروض ضمن برنامج لإعادة هيكلة الشركة وخفض النفقات، وسط ضغوط على الأرباح وتراجع الطلب في الصين واشتداد المنافسة من شركات السيارات الصينية.
وتراهن الشركة الألمانية على تقليص النفقات الإدارية وتحسين الكفاءة التشغيلية لمواجهة التحديات التي تضغط على ربحيتها، دون اللجوء إلى تسريح مباشر واسع النطاق. لكن حجم التعويضات المتداول أثار اهتمامًا كبيرًا، بعدما حاول أعداد كبيرة من الموظفين الاطلاع على عروضهم عبر البوابة الداخلية للشركة، التي واجهت ضغطًا تقنيًا مؤقتًا عند إطلاق البرنامج.
تعويضات بي إم دبليو تصل إلى 730 ألف دولار.. من المستفيد؟
بحسب تقارير إعلامية ألمانية نقلتها مواقع متخصصة في أخبار السيارات، تتجاوز بعض عروض المغادرة الطوعية 650 ألف يورو، بما يعادل نحو 730 ألف دولار. لكن هذا المبلغ يمثل الحد الأعلى المذكور في حالات فردية، وليس تعويضًا موحدًا يحصل عليه جميع الموظفين.
وتختلف قيمة التعويضات بحسب عوامل عدة، من بينها راتب الموظف وسنوات خدمته ووضعه الوظيفي، فيما تتضمن بعض العروض حوافز إضافية لمن يوافقون على المغادرة في موعد مبكر.
ويستهدف البرنامج بصورة أساسية الوظائف الإدارية والتطويرية وغيرها من الوظائف المكتبية في ألمانيا، بينما لا يشمل العاملين المرتبطين مباشرة بخطوط الإنتاج. كما تناولت التقارير خيارات مختلفة لصرف المستحقات، تشمل الحصول على المبلغ دفعة واحدة أو على أقساط، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بالتقاعد والتأمين.
ورغم ضخامة المبالغ المتداولة، لم تؤكد بي إم دبليو بصورة مستقلة أن 650 ألف يورو هو الحد المعتاد للتعويضات، ولذلك ينبغي التعامل مع الرقم باعتباره قيمة قصوى وردت في تقارير إعلامية عن حالات فردية.
اقرأ أيضاً :بي إم دبليو تكشف الفئة الثالثة 2027.. جيل ثامن بتصميم نويه كلاسه وقوة 443 حصانًا
لماذا تستهدف بي إم دبليو خفض 8 آلاف وظيفة؟
تأتي خطة خفض الوظائف ضمن استراتيجية أوسع لإعادة هيكلة العمليات وتقليص النفقات، في ظل تراجع هوامش الربح وارتفاع تكلفة تطوير السيارات الجديدة، خصوصًا مع التحول المتسارع نحو السيارات الكهربائية.
وكانت بي إم دبليو قد أعلنت خطتها في يوليو 2026، على أن تستمر إجراءات تقليص العمالة حتى نهاية 2027. وتشير التقديرات المنشورة إلى أن نحو 8 آلاف وظيفة قد تختفي من إجمالي القوة العاملة العالمية، التي تضم أكثر من 150 ألف موظف.
ووفقًا لتقارير نقلتها رويترز ووكالات أنباء، تستهدف الإجراءات بصورة رئيسية الوظائف الإدارية والتطويرية في ألمانيا، مع الاعتماد على المغادرة الطوعية والتقاعد الطبيعي وإجراءات تنظيمية أخرى، بدلًا من الاستغناء الإجباري عن العاملين.
وتعكس هذه الخطوة تحولًا في طريقة تعامل شركات السيارات الألمانية مع الضغوط المالية؛ فبدلًا من الاعتماد على زيادة المبيعات وحدها، تتجه الشركات إلى مراجعة هياكلها الإدارية وتقليص النفقات الثابتة، على أمل تحسين الربحية في سوق تتغير قواعد المنافسة فيه بسرعة.
الصين تضغط على أرباح بي إم دبليو
تمثل الصين أحد أكبر التحديات أمام بي إم دبليو وشركات السيارات الألمانية الفاخرة، بعدما اشتدت المنافسة من الشركات المحلية التي تقدم سيارات كهربائية مزودة بتقنيات متقدمة وأسعار تنافسية.
ولا تقتصر الضغوط على المنافسة السعرية، بل تمتد إلى سرعة تطوير المنتجات والبرمجيات والأنظمة الرقمية، وهي عوامل أصبحت مؤثرة في قرارات الشراء، خصوصًا في سوق السيارات الكهربائية الصينية.
وفي نتائج الربع الثاني من 2026، تراجعت الأرباح قبل الضرائب لدى بي إم دبليو بنحو 35% على أساس سنوي، إلى قرابة 1.7 مليار يورو، بحسب رويترز. كما انخفضت مبيعات الشركة في الصين بصورة ملحوظة، ما زاد الضغط على نتائجها في أحد أهم أسواقها.
وتواجه الشركة في الوقت نفسه تكاليف مرتبطة بالتحول الكهربائي والتقنيات الجديدة، إلى جانب تأثير الرسوم الجمركية والتقلبات الاقتصادية العالمية. وتزيد هذه العوامل صعوبة الحفاظ على هوامش الربح التي اعتادت عليها شركات السيارات الفاخرة الألمانية.
هل تنجح التعويضات الضخمة في خفض النفقات؟
قد تبدو التعويضات التي تصل إلى مئات الآلاف من اليوروهات مرتفعة للغاية، لكنها تُعد بالنسبة إلى الشركة جزءًا من تكلفة إعادة الهيكلة، التي تستهدف تقليل النفقات المتكررة على المدى الطويل.
فإذا غادر عدد كبير من الموظفين ضمن البرنامج، يمكن أن تنخفض تكاليف الرواتب والمزايا الإدارية مستقبلًا. لكن تحقيق وفورات فعلية يعتمد على حجم المشاركة، وقيمة التعويضات المدفوعة، ومدى قدرة الشركة على إعادة توزيع المهام دون التأثير في سرعة التطوير أو جودة العمليات.
وفي المقابل، قد تفرض المغادرة الطوعية تحديًا إضافيًا إذا شملت موظفين يمتلكون خبرات يصعب تعويضها، خصوصًا في مجالات البحث والتطوير والهندسة. لذلك، فإن نجاح الخطة لا يتوقف على عدد الوظائف التي ستُخفض فحسب، بل أيضًا على قدرة بي إم دبليو على الاحتفاظ بالكفاءات اللازمة لتطوير الجيل المقبل من سياراتها.
هل تتجه شركات السيارات الألمانية إلى تقليص العمالة؟
لا تتحرك بي إم دبليو بمعزل عن بقية الصناعة الألمانية؛ إذ تواجه شركات مثل فولكس فاجن ومرسيدس بنز وبورش ضغوطًا مشابهة تتعلق بالتكاليف والمنافسة والتحول إلى السيارات الكهربائية.
وتشير هذه التحركات إلى أن شركات السيارات التقليدية تعيد النظر في هياكلها التشغيلية لمواكبة سوق أصبحت فيه المنافسة مرتبطة بالتكلفة والتكنولوجيا وسرعة إطلاق المنتجات، وليس بالسمعة الهندسية وحدها.
لكن تقليص العمالة لا يضمن وحده استعادة النمو، إذ ستظل النتائج مرتبطة بقدرة الشركات على تطوير سيارات تنافسية، وتحسين أدائها في الصين، ورفع كفاءة الإنفاق على التقنيات الجديدة.
في النهاية، تكشف خطة بي إم دبليو عن حجم التغيير الذي تمر به صناعة السيارات الألمانية، حيث أصبحت إعادة الهيكلة وخفض النفقات جزءًا أساسيًا من مواجهة المنافسة العالمية. وبينما قد تساعد التعويضات الطوعية على تقليص التكاليف مستقبلًا، يبقى الاختبار الحقيقي هو قدرة الشركة على استعادة الربحية دون إضعاف قدرتها على الابتكار والمنافسة في سوق السيارات الفاخرة.