طرنك أوتو – في خطوة جديدة لمواجهة التوسع الصيني داخل سوق السيارات الأوروبية، توصل الاتحاد الأوروبي والصين إلى تفاهم تجاري يستهدف تقليص صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الأسواق الأوروبية بأكثر من النصف مقارنة بالمستويات المتوقعة، على مدار السنوات الأربع المقبلة، في محاولة لاحتواء التوترات التجارية المتصاعدة بين الجانبين.
وجاء التفاهم عقب محادثات استمرت يومين في بكين بين مسؤولين صينيين ومفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش، الذي أكد أن الاتفاق قد يمنع وصول عدة ملايين من السيارات إلى الأسواق الأوروبية خلال الفترة المحددة، دون الكشف عن الآلية التفصيلية التي ستُستخدم لتنفيذ هذا التوجه.
ولا يقتصر الاتفاق على السيارات، إذ يتضمن تفاهمات لتحسين وصول المنتجات الأوروبية إلى السوق الصينية، إلى جانب تسهيل إجراءات تصدير المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة، في إطار مساعٍ أوسع لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية بين الطرفين.
ماذا تتحرك أوروبا ضد السيارات الصينية الآن؟
تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه شركات السيارات الأوروبية ضغوطًا متزايدة من المنافسين الصينيين، الذين توسعوا في تقديم طرازات بأسعار تنافسية، مع تنوع متزايد في السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن بالكهرباء وبحسب البيانات التي أوردتها رويترز، ارتفعت واردات الاتحاد الأوروبي من السيارات الهجينة القابلة للشحن بنسبة 86% خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في سبتمبر 2026، بالتزامن مع انخفاض أسعارها بنحو 20%. وأصبحت السيارات القادمة من الصين تمثل أكثر من نصف هذه الواردات، ما يعكس تنامي حضور الشركات الصينية في هذه الفئة تحديدًا.
وتخشى أوروبا أن يؤدي استمرار هذا التوسع إلى زيادة الضغوط على الشركات المحلية، خصوصًا مع اتجاه بعض شركات صناعة السيارات إلى خفض التكاليف والوظائف وإعادة تقييم خططها الإنتاجية في ظل المنافسة العالمية.
كما أن السيارات الهجينة القابلة للشحن تمثل نقطة مهمة في هذا الصراع؛ فهي تجمع بين محرك الاحتراق الداخلي والمحرك الكهربائي، وتتيح للمستهلكين القيادة بالكهرباء لمسافات محددة دون الاعتماد الكامل على الشحن الخارجي طوال الوقت.
اقرأ أيضاً :رئيس بوجاتي: توقفوا عن تقليد الصين وعودوا إلى هويتكم
الاتفاق يستهدف خفض الصادرات بأكثر من النصف
بحسب تصريحات مفوض التجارة الأوروبي، يستهدف التفاهم الحد من صادرات السيارات الهجينة والهجينة القابلة للشحن من الصين إلى الاتحاد الأوروبي، بحيث تقل بأكثر من النصف عن المستويات التي كان متوقعًا وصولها إليها خلال السنوات الأربع المقبلة.
لكن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء السيارات الصينية من الأسواق الأوروبية أو انخفاض أعدادها الفعلية مقارنة بالمستويات الحالية؛ إذ يمكن أن تظل الصادرات في ارتفاع إذا كانت التوقعات الأساسية تشير إلى نمو أكبر. وتبقى النتيجة الفعلية مرتبطة بطريقة تنفيذ الاتفاق والتفاصيل التي لم تُعلن حتى الآن.
ووصف شيفتشوفيتش التفاهم بأنه خطوة أولى مهمة نحو معالجة الاختلال في العلاقات التجارية بين الجانبين، لكنه أكد أن الطريق لا يزال طويلًا أمام الوصول إلى توازن تجاري مستدام.
وتأتي هذه التطورات في سياق نزاع أوسع بشأن السيارات الكهربائية الصينية، بعدما فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا إضافية على وارداتها في عام 2024 عقب تحقيق متعلق بالدعم الحكومي الصيني. ويواصل الطرفان مناقشة بدائل تجارية محتملة وإجراءات مرتبطة بالأسعار، بهدف تقليل الخلافات دون إنهاء المنافسة بين الشركات
ماذا ستحصل عليه أوروبا مقابل تقليص السيارات الصينية؟
لم تقتصر نتائج المحادثات على قطاع السيارات، بل شملت تفاهمات بشأن وصول منتجات أوروبية إلى السوق الصينية، بقيمة تقارب 4 مليارات يورو، من بينها قطع غيار السيارات وزيت الزيتون والأحذية.
كما تعهدت الصين بمواصلة تسهيل إجراءات إصدار تراخيص تصدير المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الدائمة، وهي مواد مهمة في العديد من الصناعات المتقدمة، بما فيها صناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأوروبا، التي تسعى إلى تأمين سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصادر محدودة للمواد الحيوية. لذلك، يبدو أن المحادثات لا تتعلق فقط بحجم السيارات الصينية التي تدخل أوروبا، بل تمتد إلى ملفات أوسع تشمل التصنيع والتجارة والتكنولوجيا والمواد الخام.
ومع ذلك، فإن التفاهمات المعلنة لا تعني انتهاء الخلافات التجارية بين الطرفين، إذ لا تزال هناك ملفات عالقة تتعلق بالرسوم والإجراءات التنظيمية وإمكانية وصول الشركات الأوروبية إلى السوق الصينية.
هل تتراجع السيارات الصينية في أوروبا؟
لا يمكن اعتبار الاتفاق حتى الآن بداية انسحاب السيارات الصينية من أوروبا، لكنه يشير إلى أن الاتحاد الأوروبي أصبح أكثر استعدادًا للتحرك للتعامل مع الزيادة السريعة في الواردات، خاصة في الفئات التي تشهد نموًا كبيرًا.
وفي المقابل، تظل الشركات الصينية قادرة على المنافسة من خلال الأسعار والتكنولوجيا وتوسيع نطاق الطرازات، بينما تحتاج الشركات الأوروبية إلى الحفاظ على قدرتها التنافسية وتحسين تكاليف الإنتاج وتطوير منتجات تلبي احتياجات المستهلكين.
ويظل التحدي الأكبر أمام الاتفاق هو تحويل التفاهم السياسي إلى إجراءات واضحة يمكن قياس نتائجها، خصوصًا أن الطرفين لم يعلنا بعد التفاصيل الكاملة لآلية خفض الصادرات.
وبالنسبة لسوق السيارات العالمي، فإن هذا التفاهم يمثل تطورًا مهمًا في العلاقة بين أكبر قوتين تجاريتين في هذا الملف، لكنه لا يحسم المنافسة بين الشركات الصينية والأوروبية، بل يفتح مرحلة جديدة من التفاوض حول شروط دخول السيارات إلى الأسواق.